JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
ad google ads
ads ad in text
الصفحة الرئيسية

المشكلة الأولى : الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة

 

الإشكالية الثالثة : فلسفة العلوم

المشكلة الأولى : الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة


المشكلة الأولى : الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة


 

  مقدمة : طرح المشكلة

      إنه مهما تعددت الحقيقة في تعريفاتها وفي مجالاتها، فإنه لا يختلف اثنان في أن الإنسان مفطور بفضوله على البحث عنها ، ومهما اختلفت أصنافها وتنوعت مقاييسها، فإن أقصى ما يبحث عنه هذا الإنسان هو الحقيقة الأولى كما يسميها الحكماء نظرا إلى اتصافها بالثبات والمطلقية، ولكن كيف له أن يعتنق المطلق وهو كائن نسبي ؟ فهل في هذه الحالة يمكن وضع الحقيقة الثابتة ضمن قائمة الحقائق النسبية نظرا إلى نسبة ارتباطها بالواقع البشري ومحيطه ؟

 I. الحقيقة : تعريفها ، أصنافها ، مقاييسها

 أولا : تعريفهـا:

ـ الحقيقة هي الماهية أو الذات أو الصفات الثابتة للشيء يقينا.

ـ والحقيقي عند بعض الفلاسفة: " هو الشيء الموجود بالفعل"

كما أن الحقيقي يطلق:" على الشيء الموجود كما هو أو مطابقة الشيء لصورة نوعه"

ثانيا: أصنافهـا:

أ ـ حقائق مطلقة: وهي الحقائق المستقلة القائمة بذاتها التي لا تحتاج إلى غيرها لوجودها، دائمة، أبدية، لامتناهية. فالحقيقة المطلقة تعني عدم ارتباطها في وجودها بسبب من الأسباب لأنها مستقلة.

واعتبر "كانط" الحقائق المطلقة مجالها" العلم الرياضي" كحقائق يقينية.

ب ـ حقائق نسبية: وهي الحقائق التي يكون وجودها تابعا لوجود غيرها ومرتبطة به لسبب من الأسباب وهي حقائق متغيرة ، متناهية، وهذا ما نجده بوضوح في ميدان العلوم التجريبية.

وتدخل هنا أيضا الحقائق الذوقية المرتبطة بالشعور فهي خاصة وذاتية وتختلف من إنسان لإنسان آخر.

جـ ـ حقائق بين المطلق والنسبي: وهي حقائق فلسفية إلا أنها تنهل مصداقيتها من الواقع الاجتماعي والنفسي التأملي.

ثالثا: مقاييسهـا:

إن مسألة الحقيقة مرتبطة بالإنسان الذي يبحث عنها والوسائل التي يعتمدها لبلوغها، لذلك نجد أن مقاييس الحقيقة بقدر ماهي مقاييس للحكم عليها، فهي من جهة أخرى مرتبطة بنظرة الباحث عن هذه الحقيقة واتجاهه وفلسفته التي يعتمدها، ومن أشهر هذه المقاييس:

أـ مقياس الوضوح: لقد ذهب بعض الفلاسفة أمثال: ديكارت وسبينوزا إلى أن الحكم الصادق يحمل في طياته معيار صدقه، وهو الوضوح الذي يرتفع فوق كل شيء، ويتجلى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدو ضرورية واضحة بذاتها كقولك: الكل أكبر من الجزء أو أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. يقول سبينوزا:" هل يمكن أن يكون هناك شيء أكثر وضوحا ويقينا من الفكرة الصادقة، يصلح أن يكون معيارا للحقيقة؟ فكما أن النور يكشف عن نفسه وعن الظلمات، كذلك الصدق هو معيار نفسه ومعيار الكذب"

ويشرح ديكارت أول قاعدة في منهجه على أنه لا يقبل مطلقا شيئا على أنه حق، ما لم يتبين بالبداهة أنه كذلك، فالأشياء الواضحة البينة كلها أشياء حقيقية مثل: العمليات الرياضية التي لا يساورنا الشك في صدقها.

ب ـ مقياس المنفعة: ذهب بعض أقطاب البراغماتية أمثال: تشارلز بيرس، ووليام جيمس إلى أن الحكم يكون صادقا متى دلت التجربة على أنه مفيد نظريا وعمليا، وبذلك تعتبر المنفعة المحك الوحيد لتمييز صدق الأحكام من باطلها. يرى بيرس:" إن الحقيقة تقاس بمعيار العمل المنتج أي أن الفكرة خطة للعمل أو مشروع له وليست حقيقة في ذاتها" ويرى وليام جيمس:" أن النتائج أو الآثار التي تنتهي إليها الفكرة هي الدليل على صدقها ومقياس صوابها. وإذا أردنا أن نحصل على فكرة واضحة لموضوع ما فما علينا إلا أن ننظر إلى الآثار العملية التي نعتقد أنه قادر على أن يؤدي إليها.

يقول وليام جيمس:" إن كل ما يؤدي إلى النجاح فهو حقيقي وإن كل ما يعطينا أكبر قسط من الراحة وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأي حال من الأحوال فهو حقيقي".

جـ ـ مقياس الوجود لذاته: وهو مقياس تتبناه الفلسفة الوجودية، وهي فلسفة تهتم بالإنسان وترى أن مقياس الحقيقة وصحة الأحكام وصدق الأفكار مرتبط بالإنسان كمشروع، يتحدد بالاختيار المسؤول للإنسان بعد أن يوجد، وسعيه لإكمال ماهيته، وما يجب أن يكون عليه وعلى ضوء ذلك تتحدد الحقائق الأخرى، ومن أهم رواد هذا الاتجاه جون بول سارتر الذي يقول: "إن الأشجار والأحجار هي مجرد كائنات وأن الإنسان في هذا العالم هو وحده الذي يوجد"لذاته" أي يمتلك وجدانا ".

II. إذا كانت النسبية تلاحق الحقيقة، فهل الحقيقة المطلقة نسبية هي الأخرى؟

أولا: خصائص الحقيقة المطلقة:

المطلق هو إسم للشيء الذي لا يتوقف تصوره ووجوده على شيء آخر غيره، لأنه وجود نفسه، ومن أهم الخصائص التي تتميز بها الحقيقة المطلقة أنها مجردة من كل القيود والعلائق فهي مستقلة لا تحتاج من أجل وجودها إلى علل وأسباب ولا إلى حدود زمانية ومكانية ولا ترتبط بأحكام الإنسان وتصوراته، وهي ثابتة لا تقبل التغير وعلى هذا الأساس فإن الحقيقة المطلقة تقوم مستقلة عن ذواتنا وعقولنا.

ثانيا: النسبية وملاحقتها للمطلق:

إن النسبي يشير إلى ما يتوقف وجوده على غيره لأن إدراكه من طرف الإنسان هو إدراك من طرف كائن مقيد بحدود زمانية ومكانية ومفاهيم ثقافية، إن المعرفة الإنسانية مثلا نسبة بين الذات العارفة والموضوع المعروف وهي نسبة تجعل كلا منهما مشروطا بالآخر وهذا معناه أن العقل الإنساني إن هو حاول إدراك المطلق فإنه لا يصنع ذلك إلا بالنسبة إلى المقيد كما أنه لا يتصور الثبات إلا في حالة وجود التغير وهذا يعني احتمال أحد أمرين: إما أن تكون الحقيقة مطلقة ولا أمل في إدراكها من طرف مدرك، وإما أن يدركها مدرك فتنتقل من المطلقية إلى النسبية يقول جون استوارت مل:" إننا لا نعرف الطبيعة إلا بواسطة أحوالنا الشعورية، ثم إن كل معرفة تابعة للظواهر، وليست هناك معرفة في ذاتها أي مستقلة عن الموضوع العارف".

كما أن كانط يؤكد من جهته على انفلات الحقيقة المطلقة من الفهم العقلي إذ يقول:" أن الحقائق المطلقة لا يحتضنها عقل ولا يدركها علم".

III. علاقة الحقيقة بالواقع؟

أولا: ما هو الواقع؟

-       "الواقع هو العالم الخارجي بظواهره وأشياءه الموجودة الماثلة أمام حواسنا وعقولنا".

فالواقع إذن:" هو الوجود الفعلي للأشياء، المستقل عن الذات العارفة والذي يشترك في معاينته جميع الناس".

والواقع بهذا المعنى أشياء موضوعية موجودة ومستقلة عن الذات.

ثانيا: ارتباط الحقيقة بالواقع:

إن فكرة الحقيقة مرتبطة بفكرة الواقع، فالفكرة الحقيقية يجب أن تكون مطابقة للواقع، وهذا يجعل من الواقع مصدر الحقيقة والمعبر الأساسي عنها، فالواقع هو الحقيقة ولا حقيقة بغير الواقع فهي ملتبسة بالواقع وملتحمة به وهذا الموقف هو ما يتبناه الاتجاه التجريبي الحسي.

أما عن انطباق الفكر مع نفسه فهو يعبر عن واقع آخر للحقيقة وشكل من أشكالها يتجاوز الواقع الحسي ويجعل الكلمة الفصل للحكم العقلي كواقع مثالي ثابت يرفض النسبي ويعبر عن الحقيقة المطلقة وهذا ما يؤكده الاتجاه المثالي مع أفلاطون وغيره.

وما نخلص إليه هو أن علاقة الحقيقة بالواقع الحسي يجعلها نسبية تتحدد صورتها بمقدرة الإنسان على معرفة الواقع، لكن الحقيقة في جوهرها ترفض هذا الحكم النسبي وتتعالى نحو المطلق المثالي وهذا ما يبرز تنوع أصناف الحقيقة وتعدد مقاييسها.

ثالثا: الإنسان بين الواقع والحقيقة:

إن الواقع هو دائما واقع الأشياء، الواقع كما هو والحقيقة هي حقيقة الأفراد ومهما كانت الأحوال فلا نستطيع القبض على الحقيقة كما نقبض على الأشياء، وإن ما نسعى إلى بلوغه من حقائق لاشك في أن المحيط الثقافي الذي يحاصرنا يساهم في تشكيله وبلورة طبيعته، فإذا ترعرعنا في وسط ينتشر فيه التجرد للعبادة واتجهت ميولنا إلى الزهد والتصوف لاشك في أن الحقيقة التي ننشدها ونريد التقرب منها هي حقيقة الخالق عز وجل.

 

خاتمة: حل المشكلة

تبقى مسألة الحقيقة مرتبطة بالإنسان وفضوله لاكتشاف المجهول ولا يتبدى للناس الحقيقة إلا ما يدفعنا إليها للبحث عن حقيقة أسمى، والقدرة على الاستمرار في طلبها بين النسبي والمطلق.    

 

الاسمبريد إلكترونيرسالة